محاسن الإسلام والتشريع في ضوء آثار أسماء الله الحسنى: “الرحيم” نموذجًا

 

مقدمة

إنَّ أعظم ما يلفت الأنظار في الإسلام هو اكتمال منظومته التي تجمع بين العقيدة والشريعة في تناغم مثالي يربط بين خالق الإنسان وتشريعاته التي تحكم حياته. فالإسلام ليس دينًا يقتصر على أداء العبادات فقط، بل هو منهج حياة ينظم العلاقات الإنسانية والمجتمعات بناءً على قيم سامية وأخلاق رفيعة. ومن أبرز جوانب هذه الشمولية، أنَّ التشريع الإسلامي ينبثق من آثار أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وهو ما يمنح القوانين الإسلامية بُعدًا روحانيًا يتجاوز النظم البشرية البحتة.

 

“الرحيم” نموذجًا لتأثير أسماء الله الحسنى في التشريع

من بين أسماء الله الحسنى التي يظهر أثرها بوضوح في التشريع الإسلامي، اسم “الرحيم”. فالله سبحانه وتعالى لم يسمِّ نفسه “رحيمًا” إلا لأن رحمته شاملة لكل شيء، وقد تجلت آثار هذه الرحمة في شريعة الإسلام بأروع صورها.

1- الرحمة في العبادات

إنَّ الله فرض العبادات على المسلمين بطريقة متوازنة، تجمع بين الجد والاجتهاد وبين التخفيف والتيسير. فالصلاة، على سبيل المثال، هي ركن أساسي من أركان الإسلام، ولكن إذا عجز المسلم عن أدائها قائمًا، أباح له أداؤها جالسًا أو مضطجعًا. يقول الله تعالى:

(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185].

هذا التيسير هو تجسيد عملي لاسم الله “الرحيم”، حيث تتجلى رحمته في التخفيف عن عباده بما يتناسب مع قدراتهم وحالتهم.

 

 

2- الرحمة في المعاملات والأحكام

أحكام الإسلام في المعاملات المالية والاجتماعية تهدف إلى تحقيق العدل والرحمة في آنٍ واحد. فعند النظر إلى الزكاة، نجد أنها ليست مجرد ضريبة إلزامية، بل هي تعبير عن الرحمة الإلهية تجاه الفقراء والمحتاجين، حيث يعم الخير المجتمع بأكمله. يقول الله تعالى:

(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ) [البقرة: 110].

فالمقصد من الزكاة ليس فقط دعم الفقراء، بل بناء روح التعاطف والرحمة داخل المجتمع، ما يعكس أحد مظاهر اسم الله “الرحيم”.

 

3- الرحمة في العقوبات

رغم أن الإسلام يفرض عقوبات رادعة لضبط السلوك وحماية المجتمع، إلا أن هذه العقوبات مشروطة بظروف تحققها وأدلتها، وغالبًا ما يُفسح المجال للتوبة والصفح. فالقصاص، على سبيل المثال، الذي يُشرِّع العقوبة على الجاني، يُقابل بتشجيع على العفو إن رأى ولي الدم ذلك. يقول الله تعالى:

(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: 178].

هذا التشجيع على العفو يعكس بوضوح التوازن بين تحقيق العدالة وإظهار الرحمة.

 

4- الرحمة في العلاقات الأسرية

أعطى الإسلام العلاقات الأسرية مكانة خاصة، حيث أوجب على الزوجين المعاملة بالمعروف ورعاية الأبناء بالعطف والحنان. ومن مظاهر ذلك، قوله تعالى:

(وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: 19].

فالأسرة في الإسلام ليست مجرد كيان اجتماعي بل نواة تنبض بالرحمة، تعكس اسم الله “الرحيم” من خلال ربط المودة بالمسؤولية والتكافل.

 

تأثير فهم اسم “الرحيم” على سلوك المسلم

عندما يستشعر المسلم أن الرحمة جزء من اسم الله وصفاته، فإنه يحرص على أن يعكس هذه القيمة في سلوكياته. فهو يرحم الآخرين، ويتجاوز عن أخطائهم، ويعاملهم بلطف، مستندًا إلى قوله ﷺ:

(الرَّاحِمونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَن في الأرْضِ يَرْحَمْكُم مَن في السَّماءِ) (1).

يظهر في هذا الحديث أن الرحمة ليست فضيلة اختيارية، بل هي خُلُق يُقابل بمكافأة من الله عز وجل، وهذا يعمّق العلاقة بين اسم الله “الرحيم” والسلوك الإنساني في المجتمع.

 

خاتمة

إن التشريع الإسلامي، بما يعكسه من آثار لأسماء الله الحسنى، يقدم نموذجًا فريدًا يُظهر محاسن الإسلام في أبهى صورها. فاسم “الرحيم” لا ينعكس فقط على مستوى النصوص التشريعية، بل يترجم إلى أخلاق عملية تحكم حياة المسلم وتعزز من قوة المجتمع. وبهذا، يتجلى الإسلام دينًا يحكم بالعدل ويسود فيه التراحم، لأنه مستمد من صفات خالق يعرف احتياجات عباده أكثر مما يعرفون أنفسهم.

—————————————–

1-المصدر: سنن الترمذي (1924)، درجة الحديث: حديث صحيح (حسنه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع 3522).

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *